محمد الغزالي
241
فقه السيرة ( الغزالي )
عن عبادة بن الصامت ، قال : خرجنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فشهدت معه بدرا ، فالتقى الناس ، فهزم اللّه العدوّ ، فانطلقت طائفة في اثارهم يطاردون ويقتلون ، وأكبت طائفة على المغنم ، يحوزونه ، ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرّة ، حتى إذا كان الليل ، وفاء النّاس بعضهم إلى بعض ، قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها ، وليس لأحد فيها نصيب ، وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ : لستم أحقّ بها منّا ، نحن نحينا منها العدو وهزمناه ، وقال الذين أحدقوا برسول اللّه : خفنا أن يصيب العدو منه غرة ، فاشتغلنا به ، فأنزل اللّه تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 1 ) [ الأنفال ] . فقسمها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين المسلمين « 1 » . هذا التنازع المؤسف إثر البأساء الشاملة التي لحقت بالمهاجرين والأنصار على السواء ، وقد نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى مظاهر البؤس على أصحابه وهم خارجون إلى بدر ؛ فرثى لحالهم ، وتألّم لما بهم ، وسأل اللّه أن يكشف كرباتهم . فعن عبد اللّه بن عمرو « 2 » ، قال : خرج رسول اللّه يوم ( بدر ) في ثلاثمئة وخمسة عشر رجلا من أصحابه ، فلما انتهى إليها ، قال : « اللهم إنّهم جياع فأشبعهم ، اللهم إنّهم حفاة فاحملهم ، اللهم إنّهم عراة فاكسهم » . ففتح اللّه له يوم بدر ، فانقلبوا حين انقلبوا ، وما منهم رجل إلا قد رجع بحمل أو حملين ، واكتسوا وشبعوا . إنّ الجوع والعري عندما يطول أمدهما يتركان في النفوس ندوبا سيئة ،
--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه أحمد : 5 / 323 - 324 ؛ والحاكم : 2 / 326 ، من طريق مكحول ، عن أبي أمامة ، عن عبادة بن الصامت . وقال الحاكم : « صحيح على شرط مسلم » ووافقه الذهبي ، وأبو أمامة لم يره مكحول - كما قال أبو حاتم - فهو منقطع ، ومن هذا الوجه ، أخرجه ابن هشام : 2 / 76 ، عن ابن إسحاق . ومن طريقه أحمد : 5 / 322 ، لكن له شاهد من حديث ابن عباس ، أخرجه أبو داود : 1 / 430 ؛ والحاكم ، وقال : « صحيح الإسناد » ، ووافقه الذهبي وهو كما قالا . وبه صحّ الحديث . ( 2 ) حديث حسن ، أخرجه أبو داود : 1 / 431 - 432 ؛ والحاكم : 2 / 145 ؛ والبيهقي : 9 / 57 ، وقال الحاكم : « صحيح على شرط مسلم » ، وإنما هو حسن فقط . وحسنه الحافظ في ( الفتح ) : 7 / 233 .